العولمة والهوية


Dec. 10, 2012
مقالات



العولمة والهوية




تعيش المجتمعات الإسلامية ـ بعد تنحية الشريعة عن معظم أنحائها ـ في مواجهة أمواج بحر خضم، ولا يكاد يمر عليها يوم دون أن تلفحها رياح عاتية؛ تارة آتية من الغرب وأخرى آتية من الشرق، ولما كانت الشريعة الإسلامية على مر العصور هي حصن المسلمين أمام هذه الأمواج المتلاطمة والرياح العاتية؛ فإن إقصاءها عن مناحي الحياة جعل المسلمين صيدًا سهلًا للأفكار الهدامة المصدرة إلينا من العالم الشرقي والغربي، واضمحلت مناعة الأمة الإسلامية أمام هذه الجراثيم اللعينة؛ فنخر المرض أوصالها، وصار جسد المجتمع مثخنًا بالجراح، منهكًا بما دب فيه من خور وضعف، فلم يزده هذا الغزو الفكري إلا وهنًا على وهن.

إن المتتبع لمجريات الأحداث في عالمنا الأرضي يدرك حقيقة لا مناص منها، أنه ما فتئ العالم الغربي والشرقي عن الكيد لأمة الإسلام ومحاولة تركيعها وإذلالها، وقد وجدوا ملاذهم في الغزو الفكري بديلًا عن الغزو العسكري، فهو أعظم أثرًا وأقل تكلفة، وقد أضحى مفهوم العولمة واحدًا من أهم مرتكزات المؤامرة على الأمة الإسلامية، وعنصرًا نشطًا في محاولة تذويب هويتها في هوية العالم الشرقي والغربي، ولا يخفى أن كل ذلك يتم تحت ستار الشعارات البراقة والعبارات الرنانة، وقد ظنوا جهلًا أن ذلك سيضفي جمالًا على القبح، ويمنح الحسن للدمامة!

وسنحاول بإذن الله من خلال هذه المقالة إلقاء الضوء على مفهوم العولمة، وأسباب نشأتها، وأهدافها، وتأثيرها على المجتمعات الإسلامية، ثم نذكر سبل مجابهتها، آملين من الله عز وجل أن يحمي هذه الأمة من شراك هذه الأفكار الهدامة.

تعريف مفهوم العولمة:

يقول الدكتور محمد عابد الجابري: (العولمة تعني: نفي الآخر، وإحلال الاختراق الثقافي ... والهيمنة، وفرض نمط واحد للاستهلاك والسلوك) [العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، ص(29)]، ويقول أسعد السحمراني: (إن العولمة/الأمركة غزو ثقافي اجتماعي اقتصادي سياسي يستهدف الدين والقيم والفضائل والهوية، كل ذلك يعملون له باسم العولمة وحقوق الإنسان) [سلسلة كتاب المعرفة (7) نحن والعولمة من يربي الآخر، بحث للأستاذ أسعد السحمراني، أستاذ بكلية الإمام الأوزاعي بلبنان، بعنوان تسويق الاستهلاك وترويج الكاوبوي والهامبرجر، ص(129)].

فالعولمة محاولة لفرض ثقافة وسلوكيات وأنماط المعيشة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والفكرية والسياسية من جانب القوي على الضعفاء، ونظرًا لما صار إليه العالم من وحدة القطب الواحد تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية؛ فإن العولمة أصبحت مرادفًا للأمركة؛ أي فرض ثقافة وسلوكيات وأنماط المعيشة الأمريكية على دول العالم أجمع، ولا خلاف في أن ذلك يؤدي إلى تشويه هوية المجتمعات، وسلب تراثها لحساب التراث والهوية الأمريكية.

يقول الدكتور خالد عبد الله القاسم: (العولمة وصف لظواهر متعددة يجمعها جعل العالم متقاربًا، مثل التقدم المذهل في وسائل الاتصال والمواصلات والفضائيات والإنترنت، والانفتاح المعلوماتي، مع سلطة القطب الواحد ـ أمريكا بقيادة صهيونية ـ الذي يسعى لعولمة اقتصادية وعسكرية تحقق مصالحه، كما يسعى لعولمة ثقافية بفرض قيمه وثقافته ـ وهذه النقطة هي ما تعنينا ـ حول عولمة الثقافة المهدرة للهوية) [مقال العولمة وأثرها على الهوية، د.خالد عبد الله القاسم].

والتصريح بأنها أمركة تصريح صحيح؛ باعتبارها المؤثر الأقوى، وقد أكد على أن جوهر العولمة هو النمط الأمريكي، الرئيسُ الأمريكي الأسبق جورج بوش، حين قال في مناخ الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية: (إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأمريكية، وأنماط العيش والسلوك الأمريكي) [المصدر السابق، ص(28)، نقلًا عن الأسبوع الأدبي، العدد (602)، ص(19)]، وربما تكون صهيونية، لاسيما واستثمار اليهود ـ الذين يقودون الغرب وأمريكا تحديدًا ـ للعولمة للسيطرة على العالم من الاستعمار إلى الاستحمار (ركوب الأمم واستغلالها دون القضاء عليها) [انظر مجلة البيان، العدد (136)، ص(91)، مقالة العولمة حلقة في تطور آليات السيطرة، خالد أبو الفتوح].

أسباب وأهداف نشأة العولمة:

العولمة كظاهرة بدأ انطلاقها في بداية هذا القرن الهجري في الثمانينات الميلادي، وهي مرتبطة بثلاثة أحداث كبرى سياسية، وتقنية، واقتصادية:

1- السياسية: حيث انتهاء المواجهة بين الشرق والغرب، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشرقي.

2- التقنية: وهي الثورة المعلوماتية، حيث شهدت هذه الفترة طفرة تقنية هائلة في مجال الاتصالات الإلكترونية وانتقال المعلومات؛ حيث ساهمت مساهمة فعالة في حدوث العولمة.

3- الاقتصادية: وظهور منظمة التجارة العالمية عام 1995م، ومقرها جنيف لتخلف الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية "الجات"، وكتتويج لانتشار مذهب التبادل الحر واقتصاد السوق، الذي بات أيديولوجية تسيطر على العالم شرقه وغربه، وهو ما وافق عليه قادة العالم عام 1998م، أثناء مشاركتهم في الاحتفال بمرور 50 عامًا على الجات [انظر: مجلة حصاد الفكر، العدد (135)، جماد الأول 1424هـ - 2003م، عرض لكتاب بدائل العولمة للدكتور سعيد اللاوندي، عرض عبد الباقي حمدي، ص(36)]، وظهور الشركات متعددة الجنسيات.

إن الغرب رغم إمكاناته الهائلة وتقدمه التقني الواضح إلا أنه غير قادر على الاستغناء بنفسه عن بلدان العالم الثالث؛ حيث المواد الأولية الرخيصة، والأسواق الاستهلاكية الواسعة، كما أنه لا يستطيع غض الطرف عن المشاكل التي يسببها له هذا العالم.

وعلى سبيل المثال؛ فقد أحس الغرب إبَّان أزمة البترول الأولى (1973-1974م) والثانية (1979-1980م) بأن هذا العالم الخارجي أصبح قادرًا على أن يزلزل استقراره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لو ترك الأمر بيده وحده؛ ولذا كان على العالم الغربي أن يسعى في تطويع هذه الشعوب الضعيفة واختراقها ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا




شاركنا بتعليقك

comments powered by Disqus